ابن كثير

67

البداية والنهاية

الجمعة وصلى بهم ، ثم ارتحل منها إلى الأنبار وقد أخذت له البيعة من أهل العراق وخراسان وسائر البلاد سوى الشام ، وقد ضبط عيسى بن علي بيوت الأموال والحواصل للمنصور حتى قدم ، فسلم إليه الامر ، وكتب إلى عمه عبد الله بن علي يعلمه بوفاة السفاح ، فلا بلغه الخبر نادى في الناس الصلاة جامعة ، فاجتمع إليه الأمراء والناس ، فقرأ عليهم وفاة السفاح ، ثم قام فيهم خطيبا فذكر أن السفاح كان عهد إليه حين بعثه إلى مروان أنه إن كسره كان الامر إليه من بعده ، وشهد له بذلك بعض أمراء العراق ، ونهضوا إليه فبايعوه ، ورجع إلى حران فتسلمها من نائب المنصور بعد محاصرة أربعين ليلة ، وقتل مقاتل العكي نائبها . فلما بلغ المنصور ما كان من أمر عمه بعث إليه أبا مسلم الخراساني ومعه جماعة من الأمراء وقد تحصن عبد الله بن علي بحران ، وأرصد عنده ما يحتاج إليه من الأطعمة والسلاح شيئا كثيرا جدا ، فسار إليه أبو مسلم الخراساني وعلى مقدمته مالك بن هيثم الخزاعي ، فلما تحقق عبد الله قدوم أبي مسلم إليه خشي من جيش العراق أن لا يناصحوه ، فقتل منهم سبعة عشر ألفا ، وأراد قتل حميد بن قحطبة فهرب منه إلى أبي مسلم ، فركب عبد الله بن علي فنزل نصيبين وخندق حول عسكره ، وأقبل أبو مسلم فنزل ناحية وكتب إلى عبد الله : إني لم أومر بقتالك ، وإنما بعثني أمير المؤمنين واليا على الشام فأنا أريدها . فخاف جنود الشام من هذا الكلام فقالوا : إنا نخاف على ذرارينا وديارنا وأموالنا ، فنحن نذهب إليها نمنعهم منه . فقال عبد الله : ويحكم ! والله إنه لم يأت إلا لقتالنا . فأبوا إلا أن يرتحلوا نحو الشام ، فتحول عبد الله من منزله ذلك وقصد ناحية الشام ، فنهض أبو مسلم فنزل موضعه وغور ما حوله من المياه - وكان موضع عبد الله الذي تحول منه موضعا جيدا جدا - فاحتاج عبد الله وأصحابه فنزلوا في موضع أبي مسلم فوجدوه منزلا رديئا ، ثم أنشأ أبو مسلم القتال فحاربهم خمسة أشهر ، وكان على خيل عبد الله أخوه عبد الصمد بن علي ، وعلى ميمنته بكار بن مسلم ( 1 ) العقيلي ، وعلى ميسرته حبيب بن سويد الأسدي . وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بن قحطبة ، وعلى ميسرته أبو نصر خازم بن خزيم ( 2 ) ، وقد جرت بينهم وقعات وقتل منهم جماعات في أيام نحسات ، وكان أبو مسلم إذا حمل يرتجز ويقول : من كان ينوي أهله فلا رجع * فر من الموت وفي الموت وقع وكان يعمل له عرش فيكون فيه إذا التقى الجيشان فما رأى في جيشه من خلل أرسل فأصلحه . فلما كان يوم الثلاثاء أو الأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا ، فمكر بهم أبو مسلم ! بعث إلى الحسن بن قحطبة أمير الميمنة فأمره أن يتحول بمن معه إلا القليل إلى الميسرة ، فلما رأى ذلك أهل الشام انحازوا إلى الميمنة بإزاء الميسرة التي تعمرت ، فأرسل حينئذ أبو مسلم إلى القلب

--> ( 1 ) في ابن الأثير 5 / 466 : سلم . ( 2 ) في ابن الأثير والطبري : خزيمة .